الشوكاني

483

فتح القدير

الغبار ، والجمع أنقاع ، والنقع محبس الماء ، وكذلك ما اجتمع في البئر منه ، والنقع الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء ( فوسطن به جمعا ) أي توسطن بذلك الوقت ، أو توسطن ملتبسات بالنقع جمعا من جموع الأعداء ، أو صرن بعدوهن وسط جمع الأعداء ، والباء إما للتعدية ، أو للحالية ، أو زائدة ، يقال : وسطت المكان : أي صرت في وسطه ، وانتصاب جمعا على أنه مفعول به ، والفاآت في المواضع الأربعة للدلالة على ترتب ما بعد كل واحدة منها على ما قبلها . قرأ الجمهور " فوسطن " بتخفيف السين ، وقرئ بالتشديد ( إن الإنسان لربه لكنود ) هذا جواب القسم ، والمراد بالإنسان بعض أفراده ، وهو الكافر ، والكنود : الكفور للنعمة ، وقوله " لربه " متعلق بكنود ، قدم لرعاية الفواصل ، ومنه قول الشاعر : كنود لنعماء الرجال ومن يكن * كنودا لنعماء الرجال يبعد أي كفور لنعماء الرجال ، وقيل هو الجاحد للحق ، قيل إنها إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها . وقيل الكنود مأخوذ من الكند ، وهو القطع ، كأنه قطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر . يقال كند الحبل : إذا قطعه ، ومنه قول الأعشى : وصول حبال وكنادها * وقيل الكنود البخيل ، وأنشد أبو زيد : إن نفسي لم تطب منك نفسا * غير أني أمسي بدين كنود وقيل الكنود الحسود ، وقيل الجهول لقدره ، وتفسير الكنود بالكفور للنعمة أولى بالمقام ، والجاحد للنعمة كافر لها ، ولا يناسب المقام سائر ما قيل ( وإنه على ذلك لشهيد ) أي وإن الإنسان على كنوده لشهيد يشهد على نفسه به لظهور أثره عليه ، وقيل المعنى : وإن الله جل ثناؤه على ذلك من ابن آدم لشهيد ، وبه قال الجمهور . وقال بالأول الحسن وقتادة ومحمد بن كعب ، وهو أرجح من قول الجمهور لقوله ( وإنه لحب الخير لشديد ) فإن الضمير راجع إلى الإنسان ، والمعنى : إنه لحب المال قوي مجد في طلبه وتحصيله متهالك عليه ، يقال هو شديد لهذا الأمر وقوي له : إذا كان مطيقا له ، ومنه قوله تعالى - إن ترك خيرا - ومنه قول عدي بن حاتم : ماذا ترجي النفوس من طلب الخير * وحب الحياة كاذبها وقيل المعنى : وإن الإنسان من أجل حب المال لبخيل ، والأول أولى . واللام في " لحب " متعلقة بشديد . قال ابن زيد : سمى الله المال خيرا ، وعسى أن يكون شرا ، ولكن الناس يجدونه خيرا ، فسماه خيرا . قال الفراء : أصل نظم الآية أن يقال : وإنه لشديد الحب للخير ، فلما قدم الحب قال : لشديد ، وحذف من آخره ذكر الحب ، لأنه قد جرى ذكره ، ولرءوس الآي كقوله - في يوم عاصف - والعصوف للريح لا لليوم ، كأنه قال : في يوم عاصف الريح ( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ) الاستفهام للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام : أي يفعل ما يفعل من القبائح فلا يعلم ، وبعثر معناه نثر وبحث : أي نثر ما في القبور من الموتى وبحث عنهم وأخرجوا . قال أبو عبيدة : بعثرت المتاع جعلت أسفله أعلاه . قال الفراء : سمعت بعض العرب من بني أسد يقول : بحثر بالحاء مكان العين ، وقد تقدم الكلام على هذا في قوله - وإذا القبور بعثرت - ( وحصل ما في الصدور ) أي ميز وبين ما فيها من الخير والشر ، والتحصيل التمييز ، كذا قال المفسرون ، وقيل حصل أبرز . قرأ الجمهور " حصل " بضم الحاء وتشديد الصاد مكسورا مبنيا للمفعول . وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم حصل بفتح الحاء والصاد وتخفيفها مبنيا للفاعل : أي ظهر ( إن ربهم بهم يومئذ لخبير ) أي إن رب المبعوثين بهم لخبير لا تخفى عليه منهم خافية فيجازيهم بالخير خيرا ، وبالشر شرا . قال